الخميس، 12 نوفمبر، 2015

سأل سائلٌ فقال: هل يتحسَّر الله في قوله:{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ }؟

سأل سائلٌ فقال:
هل يتحسَّر الله في قوله:{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ }؟
وأجاب الذي عنده علم الكتاب فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم
فمن ذا الذي هو أرحم بكم من الله أرحم الراحمين؟ 
ويا قوم أفلا تعلمون أنه يتحسَّر على عباده الذين ظلموا أنفسهم برغم أنه لم يظلمهم شيئاً؟ ولا نزال نُذكركم بتحسّر الله 
على عباده فيقول الله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ }
  [يس:30].
وأما الذين ظلموا أنفسهم فيقول كل منهم:
 { يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) } 
صدق الله العظيم [الزمر:56].
فهل تجتمع الحسرة والغضب؟ بمعنى فهل يمكن أن يغضب الله على قومٍ وفي نفس الوقت يتحسَّر عليهم؟ 
والجواب: كلا؛ إنّما الحسرة تحدث في نفس الربّ من بعد أن يتحسّر عباده على أنفسهم فيقول الظالم لنفسه:
 { يا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) } 
صدق الله العظيم.
وإنما الحسرة تحدث في نفس الربّ من بعد أنْ يهلكهم الله بسبب دُعاء أنبيائهم عليهم فيُصْدِقُهم الله ما وعدهم فيدمّر عدوهم تدميراً، ولكن عباده لم يهنوا عليه ولو لم يظلمهم شيئاً وذلك بسبب صفته التي جعلها في نفسه وهي الرحمة، وليست كرحمة الأمّ بولدها العاصي لو نظرت إليه يصرخ في نار جهنم؛ بل تكون حسرته أشدُّ وأعظم على عباده الذين ظلموا أنفسهم، وذلك لأنَّ الله هو أرحم الراحمين، فبعد أن يدمر عباده المُكذبين برسل ربّهم ورفضوا أن يجيبوا دعوة الله ليغفر لهم، وقال الله تعالى: 
{ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٩﴾ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّـهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ } 
صدق الله العظيم [إبراهيم:9-10].
حتى إذا اعتقد المرسلون أنّ قومهم قد كذبوهم فاستيأسوا من هداهم فمن ثم يقولون:
 { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } 
صدق الله العظيم [الأعراف:89].
ومن ثم يأتيهم نصر الله ولن يخلف الله وعده رسله وأولياءه فينصرهم على عدوهم فيصبحوا ظاهرين فيورثهم الأرض من بعدهم، وقال الله تعالى: 
{ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) }
 صدق الله العظيم [يوسف].
وقال الله تعالى: { وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [الكهف:49].
وقال الله تعالى: { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُوأْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } 
صدق الله العظيم [البقرة:57].
ولكن يا أحباب الله يا معشر الآباء والأمّهات تصوروا لو أنّ أحد أبنائكم عاصٍ طيلة حياته لم يطيع لكم أمراً، ومن بعد موته اطّلعتم عليه فإذا هو يصرخ من شدة عذاب الحريق في نار جهنم فتصورا الآن كم سوف تكون عظيمة حسرتكم على أولادكم ! فما بالكم بحسرة ربّهم الذي هو أرحم الراحمين! أم إنكم لم تجدوا في محكم كتابه أنه يتحسَّر على عباده، وقال الله تعالى:
 {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴿٢٩﴾يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٣٠﴾}
 صدق الله العظيم [يس].
وأما الظالمون لأنفسهم فيقول كل منهم: 
{ يَا حَسْرَتَي علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } 
صدق الله العظيم [الزمر:56].
وأمّا آخرون: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } 
صدق الله العظيم [آل عمران:170].
وأما القوم الذين قال الله عنهم: 
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }
 صدق الله العظيم [المائدة:54]. 
فكيف سيرضون بجنة النّعيم وقد علّمهم إمامهم أن من يحبوه يتحسَّر في نفسه على عباده الذين ظلموا أنفسهم ولذلك فهم يريدون تحقيق النّعيم الأعظم من جنته.
وكلُّ عباد الله الصالحين يحبون ربّهم لأنه أحسن إليهم فأنقذهم من ناره وأدخلهم جنته ولكن القوم الذي وعد الله بهم في محكم كتابه تنزَّه حُبهم لربِّهم عن المادة، ولذلك لم تجدوا الله ذكر ناره أو ذكر جنته؛ بل قال الله تعالى:
  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } 
 صدق الله العظيم [المائدة:54].
وهُنا يتوقف أولو الألباب للتفكير فيقول: "إذا كنت حقاً أحب الله بالحب الأعظم من النّعيم والحور العين، فما الفائدة من الاستمتاع بنعيم الجنة وحورها وقد علَّمنا الإمام المهدي أن حبيبنا الأعظم مُتحسرٌ وحزينٌ على عباده الذين ظلموا أنفسهم؟".
 أولئك لن يرضيهم الله بالنّعيم والحور العين بل ينضمون إلى جانب الإمام المهدي فيُناضلوا في تحقيق النّعيم الأعظم حتى يذهب التحسرمن نفسه على عباده{ وَيَرْضَى } فذلك هو أملهم ومنتهى غايتهم وكُل أمنيتهم وجميع هدفهم، فهل تدرون لماذا؟
 لأنهم قوم { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }، فمن كان منهم فوالله لا يجد إلاّ أن يتبع الإمام المهدي فيُحرّم على نفسه جنة ربه، ويقول:
 "وكيف أرضى بجنة النّعيم وحورها وقصورها وأحب شيء إلى نفسي يقول: 
{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}؟"
فلا نزال نذكركم بتحسر الله في نفسه حتى لا تدعون على عباده فتصبروا على عباده حتى يهديهم، وأقصد الصبر على الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدُنيا ويحسبون انهم مهتدون وذلك لأنهم لم يبصروا بعد ما أبصرتموه يا معشر الأنصار، فصبرٌ جميلٌ عسى الله أن يهديهم برحمته التي كتب على نفسه وسع ربنا كل شيء رحمة وعلماً.
وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله ربّ العالمين..
خليفة الله الإمام المهدي ناصر محمد اليماني.

http://www.mahdi-alumma.com/showthread.php?p=47796

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.